الشيخ محمد رشيد رضا

127

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والنقل - مانعا له من هذا الطلب ، ولم يكن دينه وعلمه باللّه تعالى وهما في الذروة العليا أيضا ما نعين له منه . ولكن اللّه تعالى قال له ( لَنْ تَرانِي ) ولكي يخفف عليه ألم الرد وهو كليمه الذي قال له في أول العهد بالوحي اليه ( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ) أراه بعينيه ومجموع ادراكه من تجليه للجبل بما لا يعلمه سواه ان المانع من جهته هو لا من جانب الجود الرباني ، فنزه اللّه وسبحه وتاب اليه من هذا الطلب ، فبشره اللّه تعالى بأنه اصطفاه على الناس برسالته وبكلامه اي دون رؤيته ، وامره بأن يأخذ ما أعطاه ، ويكون من الشاكرين له ، * * * قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي الاصطفاء اختيار صفوة الشيء وصفوه اي خالصه الذي لا شائبة فيه ، ومنه الصفيّ من الغنيمة وهو ما يصطفيه الامام أو القائد الأكبر منها ويختاره لنفسه كاختيار النبي ( ص ) السيف المعروف بذي الفقار من غنائم غزوة بدر . وتعدية الاصطفاء هنا بعلى لتضمنه معنى التفضيل ، فالمعنى إني اصطفيتك مفضلا إياك على الناس من أهل زمانك بالرسالة ، قرأ ابن كثير ونافع « برسالتي » والباقون برسالاتي ، فافرادها بمعنى الاسم من الارسال وجمعها باعتبار تعدد ما ارسل به من العقائد والعبادات والاحكام السياسية والحربية والمدنية والشخصية ، وقيل بتعدد أسفار التوراة وهو ضعيف لان التوراة ما أوحاه من الشريعة إلى موسى وهو موضوع رسالته وتسمية الاسفار الخمسة بالتوراة اصطلاحية وقد يطلقونها على جميع كتب أنبياء بني إسرائيل قبل عيسى عليهم السّلام - واصطفيتك بكلامي أي بتكليمي لك بعد وحي الالهام من غير توسط ملك وان كان من وراء حجاب ، وهو ما طلب رفعه لتحصيل الرؤية مع الكلام ، ووحي اللّه تعالى ثلاثة أنواع بينها بقوله ( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) فهذا النوع الأوسط هو الاعلى وقد أعطي لموسى عليه السّلام بعد النوع الأول وقيل بالعكس ، وقد بينا ما فيه من وجه الخصوصية في تفسير قوله تعالى ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ) من سورة البقرة فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي فخذ ما أعطيتك من الشريعة « التوراة » وكن من الراسخين في الشكر لنعمتي بها عليك وعلى قومك ، وذلك